التفاوض بشأن السلام اليمني: انقسامات عميقة وحقائق صعبة

غيّر الفصيل السعودي المؤيد لـ«عبد ربه منصور هادي» موقفه، ووافق على عقد اجتماعات في جنيف في 14 يونيو/حزيران، بعد أن رفض هذا الفصيل في البداية دعوة الأمم المتحدة لإجراء محادثات. وكان الأمين العام «بان كي مون» قد دعا لإجراء مفاوضات بين جميع الفصائل اليمنية دون شروط مسبقة، وأصر على أن الحل الوحيد للأزمة في اليمن عن طريق محادثات سياسية. ووافقت كل من إيران و«على عبدالله صالح» وزعيم الحوثيين «عبدالملك الحوثي» [أعلن الحوثيون اليوم السبت تراجعهم عن المشاركة – الخليج الجديد]، ولكن فصيل «هادي» يخشى أن محادثات الأمم المتحدة من شأنها أن تضفى شرعية على الهيمنة الحالية للحوثيين وقوات «صالح» وأصدقائهم الإيرانيين.

وكان «هادي» قد أصر قبل المحادثات على أنه على الحوثيين تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يدعو القوات الحوثية إلى الانسحاب من جميع المدن اليمنية، وإعادة جميع المعدات التي أخذت من الجيش اليمني. ومع العلم أن الحوثيين لن يوافقوا على هذه الشروط، سعى «هادي» وحلفاؤه من السعوديين إلى تغيير ميزان القوى في اليمن من خلال إعطاء المزيد من الوقت للمقاومة المسلحة لتحقيق مالم تفعله الحملة الجوية السعودية التي سميت باسم «عاصفة الحزم». وسواء كانت نتيجة المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة في مسقط أو إدراك أن قوى المقاومة داخل اليمن لن تكون قادرة على تحقيق مكاسب كبيرة، فإن «هادي» والسعوديين وافقوا الآن على الاجتماعات.

وفي 23 مايو/أيار؛ غادرت طائرة عمانية من اليمن متجهة إلى عمان، بإذن من السعودية، تحمل كبار المفاوضين الحوثيين ومن بينهم رئيس المكتب السياسي للحوثي والناطق الرسمي باسم الحوثيين. وذكرت تقارير أن وزير الخارجية الإيراني التقى الوفد أثناء إبرام المعاهدة مع عمان، وكان العمانيون يعملون على التوصل إلى وقف إطلاق النار في اليمن. ولكن على ما يبدو أن المفاوضين الرئيسيين كانوا أمريكيين. وعقدت مسؤولة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى «آن باترسون» محادثات مع ممثلي الحوثي فضلا عن ممثلين من الجنوب. ويبدو أن المحادثات قد سهلت عودة الجانب السعودي إلى طاولة المفاوضات، ولكن لاتزال هناك عقبات كبيرة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية.

وتعتبر قوات الحوثي وحليفهم «صالح» معزولة ماديا بسبب الحصار البحري والجوي ومعزولة دبلوماسيا بسبب الدعم الدولي لـ«هادي»، ولكنهم مازالوا يسيطرون على جزء كبير من اليمن. إنهم يريدون ضمان لأمنهم في مرحلة ما بعد الحرب بالإضافة إلى وزنهم السياسي في الشمال. وبعد النجاة من الحملة الجوية العقابية، فإن الحوثيين لديهم ثقة قليلة في السعوديين وداعميهم في اليمن. السعودية وحلفاؤها اليمنيون يريدون إعادة تأسيس مبادرة مجلس التعاون الخليجي في اليمن، وإعادة «هادي» رئيسًا ونزع سلاح الحوثيين.

وفي الوقت الراهن؛ لدى الحوثيين حافز قليل لنزع السلاح. وفي الجنوب؛ ترفض معظم قوى المقاومة المفاوضات قبل تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 2216، الذي يدعو إلى انسحاب الحوثيين، وفي المقابل يرفض الجنوب حكومة «هادي». وتنذر الفجوة الواسعة بين المواقف بمفاوضات مطولة دون الكثير من الحلول على أرض الواقع، في الوقت الذي تتطور فيه أزمة إنسانية واسعة النطاق تنمو بسرعة الصاروخ.

ما الذي تريده السعودية؟

بالنسبة للسعوديين، الحرب ليست خاصة باليمن في حد ذاتها، ولكن في وأد أو إضعاف أي نفوذ إيراني يبدأ من اليمن، وتثبيت نظام صديق للسعودية هناك. ولا يرفض السعوديون الوجود الإيراني في اليمن فحسب، ولكنهم أيضا يريدون إعادة حكومة «هادي» التي أطيح بها، وإعادة ترتيب الأوضاع التي فرضها الحوثيون على المشهد السياسي اليمني. وفي الشمال؛ يقيم الحوثيين تحالفا مع أولئك الذين يعارضون قيادة الأحمر لاتحاد حاشد القبلي وحزب الإصلاح. لذلك ترغب السعودية في إعادة تثبيت قيادة الأحمر وإعادة دور الإصلاح في السياسة اليمنية.

وإلى حد كبير؛ فإن الإصلاح هو الحزب السياسي الوحيد الذي أعلن رسميا دعمه للحملة العسكرية التي تقودها السعودية. «محمد على المقدسي»، مساعد «علي محسن الأحمر»، هو ركيزة من ركائز حزب الإصلاح. وقد فر إلى السعودية في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، ويقود جهود إعادة بناء الجيش اليمني المتحالف مع السعوديين، في عملية أطلق عليها «سيوف الحزم».

وللإيرانيين دور محدود في اليمن، فبعدما استولى الحوثيون على صنعاء، قامت إيران بتأسيس رحلات جوية تجارية مع اليمن، ووعدت ببرنامج مساعدات وتنمية على نطاق واسع، لكن الروابط  الجوية تحققت فقط لفترة قصيرة قبل أن يغلق المطار بسبب ضربات التحالف. تم ردع السفن الايرانية التي كانت تنطلق إلى اليمن بواسطة الحربية الأمريكية في خليج عدن. وتعلن وكالات الأنباء الداعمة للمقاومة المسلحة داخل اليمن أحيانا عن قتلى وأسرى أو مشاهدة مستشارين عسكريين إيرانيين، ولكن وجود دليل موثوق على مشاركة إيران في القتال هو شيء نادر. الإيرانيون هم حلفاء الحوثي الدوليون فقط، وحثوا الفصائل المتحاربة في اليمن على الذهاب إلى طاولة المفاوضات.

الوضع الميداني

وعقد السعوديون، الذين يحاولون استباق مفاوضات الأمم المتحدة، نسختهم الخاصة من المفاوضات في الرياض في منتصف شهر مايو/أيار، ولكنها لم تضم الحوثيين أو حلفاء «صالح». وينص البيان الختامي لمؤتمر الرياض على أنه لابد من عودة صعدة إلى ما قبل 2004. خرق السعوديون في البداية جهود الأمم المتحدة في المفاوضات أملا في بناء قوة برية فعالة في اليمن لهزيمة صالح والحوثيين، حيث فشلت الحملة الجوية السعودية في عكس سيطرة الحوثيين عسكريا على معظم المدن اليمنية. ولا تزال قوات الحوثي والمتحالفين معهم راسخة في عدن ولحج وتعز وشبوة وأبين. وأبطأت المقاومة المحلية تقدم الحوثيين في مناطق عدة وحتى تمكنوا من عكس مكاسب الحوثيين في بعض الأماكن مثل  الضالع، ولكن الحملة الجوية لم تمنع الحوثيين من إعادة تمويل قواتهم والتحرك بحملتهم في الجنوب والشرق.

المقاومة لقوات الحوثيين و«صالح» ضعيفة. في عدن، أفادت تقارير بأن الأسلحة التي أرسلت للمقاومة من السعوديين انتهى بها المطاف في السوق السوداء، حيث كانت تضطر المقاومة لشراء الأسلحة. وفي تعز؛ انسحب مقاتلو المقاومة على جبل صابر الاستراتيجي بعد أن نفدت ذخائرهم، ولم تلق مناشدتهم الرياض للتموين آذانا صاغية في الوقت المناسب.

ولكن الأهم من ذلك أن المقاومة تفتقر إلى التماسك. معظم القتال في الجنوب، حيث الناس متناقضة حول قيادة «هادي» ويشككون في نوايا الرياض. قدم «هادي» الكثير من الوعود إلى الجنوب خلال فترة ولايته في إطار العملية الانتقالية المدعومة من دول مجلس التعاون الخليجي، لكن لم ينجز سوى القليل جدا. هناك انقسام وسط قيادة الحراك الجنوبي. يرى البعض غزو الحوثيين على أنه غزو شمالي آخر للجنوب ومن ثم يقاتلون، ولكن البعض الآخر ما بين هادئ صامت واضعا سيفه في غمده أو حتى يدعم الحوثيين. ووصف أحد قادة الحراك الجنوبي جيش «هادي» الجديد في حضرموت بأنه «خطر على الجنوب»، والآن يرفض بعض قادة الحراك مشاركة «هادي» في محادثات جنيف؛ لأنهم يدعون أن الحوثيين سوف يستغلون فقط المحادثات لتعزيز الهيمنة العسكرية على اليمن. على الرغم من أن الرئيس السابق لجنوب اليمن «علي سالم البيض» حول مؤخرا ولاءه إلى الرياض، إلا إنه رفض حضور مؤتمر الرياض جنبا إلى جنب مع العديد من القادة الجنوبيين الآخرين.

ويشمل الجيش اليمني في الصحراء الشرقية، الذي تم تشكيله لبدء هجوم بري، العديد من القادة القدامى الذي غزوا الجنوب في عام 1994، وتسببوا في الفوضى التي لم يستطع أحد أن ينهيها أو يحلها حتى الان. وفي بقية اليمن؛ يشمل تحالف «هادي» العديد من الذين كانوا جزءا من نظام «صالح» القديم والذين غيروا ولاءهم في اللحظة الأخيرة مع غرق «صالح». استبدال الحوثيين و«صالح» بنظام آخر لا يقوم بواجباته ومهامه، ولكنه في الوقت ذاته أكثر توافقا مع الرياض، لا يروق لكثير من اليمنيين.

معاناة اليمنيين

ومع ذلك، فإن الحكم القمعي للحوثيين هو بالتأكيد ليس بديلا جذابا. ويمارس الحوثيون ضد خصومهم السياسيين قسوة دأبوا على إظهارها أثناء حروب العقد الماضي. واعتاد الحوثيون بشكل منتظم خطف المعارضين السياسيين، ونسف البيوت والمساجد، وقمع الصحفيين والمواقع الإخبارية المعارضة لهم. بل إن الحوثيين استخدموا قادة التجمع اليمني للإصلاح البارزين كدروع بشرية. وقتل «أمين الرجاوي» رئيس المكتب السياسي للتجمع اليمني للإصلاح، في غارة جوية سعودية في ذمار أثناء احتجاز الحوثيين له. وعلى الرغم من أن الحوثيين وصلوا إلى السلطة واعدين أنهم سينفذوا نتائج الحوار الوطني ويقهروا الفساد وعدم الكفاءة التي عانت منها حكومة «هادي»، إلا إن سلوك الحوثيين أظهر بوضوح أن ثورة الحوثيين إنما تخص وصول الحوثي للسلطة بدلا من تغيير في أسلوب الحياة السياسية في اليمن.

وعلاوة على ذلك؛ فإن اليمنيين يعانون من قصف قوات التحالف والحصار الذي يمنع استيراد المواد الغذائية والدواء والوقود. وحتى الآن أثمرت جهود الإغاثة قليلا بالنسبة لمعظم اليمنيين. وقد رست معظم سفن الإمدادات في الحديدة، حيث يسيطر الحوثيون على توزيع الإمدادات، وشهدت المناطق الجنوبية الأكثر تضررا من القتال قليلا في طريق الإغاثة. ويستخدم الناس الحمير للنقل في صنعاء بسبب نقص الوقود. وحذر محافظ حضرموت، «عادل باحميد»، من انهيار وشيك للمحافظة تحت عبء ثقيل من اللاجئين الفارين من القتال وأزمة صحية تنتشر بسرعة، بما في ذلك انتشار حمى الضنك. واضطر «باحميد» إلى الفرار من العاصمة حضرموت والمكلا، بعد سيطرة تنظيم القاعدة على المدينة.

وفي أحسن الأحوال، فإن محادثات جنيف تتيح مجالا لجهود إغاثة أكثر فعالية لتخفيف المعاناة الحادة في اليمن. وتواجه التسوية السياسية العديد من التحديات الصعبة، وسوف يتطلب عدة أشهر طويلة من التفاوض الصعب. وقسمت الحرب اليمن على نحو فعال إلى منطقة يسيطر عليها الحوثيون، ومنطقة تسيطر عليها المقاومة الجنوبية، ومنطقة ثالثة تتكون من الصحراء الشرقية والمناطق الوسطى؛ تعز وإب. قيادة الحوثيين في منطقة واضحة، ولكن التنافس على أشده بين الفصائل الأخرى للسيطرة على المنطقتين الأخيرتين. التسوية السياسية التي تتيح إعادة بناء الجيش الوطني، والمصادقة على الدستور، والاتفاق على لجنة انتخابية، وإجراء انتخابات شرعية ما زالت بعيدة جدا في الأفق بصورة لا تمكننا من أن نستشف حقيقتها بوضوح.

المصدر | معهد الشرق الأوسط
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s