”المملكة“ و”الخلافة“: كفاح السعودية الداخلي ضد الدولة الإسلامية

ملأت صورهم الصحف المحلية كما تم بثها عبر التلفزيون الحكومي. وعُرض مبلغ خمسة ملايين ريال (1.3 مليون دولار أمريكي) بمثابة مكافأة للحصول على أي معلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليهم. وتم إبلاغ العائلات بأن أبناءهم أو أبناء عمومتهم مطلوبون. هناك 16 مطلوبا بتهمة التورط في سلسلة من التفجيرات الانتحارية في المملكة العربية السعودية في شهر مايو/أيار، وقد تعهدت الحكومة بأنه لن يهدأ لها بال حتى تلقي القبض عليهم جميعا.

وعلى مدى الأشهر الثمانية الماضية، ألقت السلطات في المملكة العربية السعودية القبض على 1059 من الرجال بدعوى ارتباطهم بجماعات إرهابية، بما في ذلك خلايا محلية رُبط بينها وبين «الدولة الإسلامية». وجاء الاجتياح عقب سلسلة من الهجمات المنسوبة إلى «الدولة الإسلامية»، كانت أكثر فتكا واستهدفت أحياء شيعية في المملكة العربية السعودية. وفي الشهر الماضي، استهدفت الهجمات الانتحارية المساجد الشيعية في محافظتي القطيف والدمام، مخلفة ما يزيد على  21 و4 قتلى على التوالي. وفي نوفمبر / تشرين الثاني لقي 11 شخص مصرعهم برصاص رجال ملثمين في حي شيعي في الأحساء.

وفي الوقت الراهن، تقول السلطات إن «الدولة الإسلامية» ومن يسيرون على نهجها باتوا أكثر خطرا وإزعاجا بالنسبة لأمن البلاد. ولكن مع كل هجوم، تزداد الرغبة في العنف وتكبر الدائرة تدريجيا ويصبح من الصعب عزل الأمر أو تحجيمه. وبدلا من ذلك، يتساءل المحللون الآن إذا كانت المملكة العربية السعودية تستعد لموجة أخرى من انعدام الأمن، مماثلة لتلك التي ضربت البلاد بين عامي 2003 و 2007، عندما أطلق تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، المجموعة التي ولد من رحمها تنظيم «الدولة الإسلامية»، سلسلة من الهجمات داخل السعودية.

وتقول وزارة الداخلية إن معدلات تجنيد الجماعات المتطرفة الآن في ارتفاع إلى مستوى غير مسبوق لم يحدث من قبل. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء التركي لـ«جلوبال» في مقابلة الشهر الماضي، «منذ عام 2006 وعام 2007 ولت الجرائم الإرهابية تقريبا، نحن لم نواجه أي شيء. بالفعل في العام الماضي رصدنا زيادة كبيرة جدا لتجنيد أشخاص بهدف تنشيط الإرهاب في المنطقة».

وخلال هذا العقد منذ هجوم تنظيم القاعدة، حققت المملكة العربية السعودية تغييرات جذرية في محاولة لتجنب تكرار الأمر. لقد باتت وزارة الداخلية أكبر وأكثر مهارة في تتبع المشتبه بهم. وقد خففت المدارس بعض المناهج الدينية المتطرفة، والتي كان النقاد قد ذكروا إنها تجعل من التلاميذ لقمة سهلة للمجموعات الإرهابية التي تسعى لاستقطابهم إلى صفوفها. ولكن البعض هنا حذر من أن المملكة العربية السعودية باتت أكثر عرضة للخطر مما كانت عليه في السابق، وذلك بفضل الخطاب الديني الطائفي، وما يحدث هو أن هناك حالة من الاستغلال لفقاعة الشباب العاطلين عن العمل، والسياسات الإقليمية المضطربة من قبل المتطرفين.

ما الذي تريده «الدولة الإسلامية» في السعودية؟

يبدو من الغريب في البداية أن الدولة الأكثر صرامة في تطبيق الشريعة الإسلامية ستكون في مرمى مجموعة مسلحة تدعي أنها تريد نفس الأمر. ولكن هذه المنافسة هي أحد الأسباب التي تقف خلف شراسة المعركة.

وتستمد المملكة العربية السعودية قوانينها من القرآن الكريم، وتمت صياغة الدولة الحديثة من خلال شراكة وثيقة بين الأسرة الحاكمة والنخبة الدينية السلفية، والتي تعرف اليوم باسم الوهابية، نسبة إلى مؤسس المدرسة «محمد بن عبد الوهاب».

ولا تتبع «الدولة الإسلامية» المدرسة الوهابية، ولكن أيديولوجيتها السلفية المتطرفة تحمل نفس الفكرة والشبه قوي، ولا سيما في إنفاذ الآداب العامة. ولكن كما قال تنظيم القاعدة قبل ذلك: إن القادة السعوديين أقرب إلى الغرب من الإسلام، وسقطوا في بحر الرذيلة.

«لقد تعرض حكام الجزيرة العربية للخزي والحط من شأنهم وفقدوا شرعيتهم المزعومة»؛ هكذا قال أبو بكر البغدادي في رسالته الصوتية الأخيرة، وفقا لترجمة المؤرخ «بيتر فان أوستيين». وفشل القادة السعوديون، على حد زعمه، في حماية الفلسطينيين وانغمسوا في «المخدرات والدعارة والرقص والاحتفالات».

الآن، تسعى «الدولة الإسلامية»، بعد إعلانها عن إقامة الخلافة للسيطرة على المملكة العربية السعودية؛ وخاصة المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، أهم مدينتين بالنسبة للمسلمين السنة. نقل المعركة إلى المملكة خطوة واضحة.

«داعش» يستخلص الدروس من العراق

من الناحية التكتيكية؛ يبدو أن هذا يكون بالاعتماد على استراتيجية قادت هجماتها منذ تأسيس الجماعة تحت اسم تنظيم القاعدة في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي. وبصفتها جماعة سنية، فقد شن المسلحون موجة من التفجيرات الانتحارية ضد مساجد وأضرحة وأسواق شيعية، ما يهدد بقذف البلاد في أتون حرب أهلية عما قريب.

ومن جانبه، قال «توبي ماثيسن» زميل أبحاث في جامعة كامبريدج ومؤلف كتاب (السعوديون الآخرون: التشيع والمعارضة والطائفية)، «كان هدفهم المحدد هو استهداف الشيعة لبدء حرب طائفية في العراق. إن السنة في العراق لم يكن لديهم أي خيار آخر سوى الاعتماد على (القاعدة)، واعتمد الشيعة أيضا على هويتهم الطائفية».

وإلى حد كبير؛ عملت هذه الاستراتيجية في عام 2006 وعام 2007. كما نجحت مرة أخرى خلال العام الماضي، حيث اجتاحت «الدولة الإسلامية» عبر المناطق السنية في العراق، مستفيدة من المظالم الطائفية.

وبعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، فازت حكومة «نوري المالكي» السابقة والتي كسبت سمعة سيئة خاصة فيما يتعلق بالمحسوبية والطائفية. وذهبت الوظائف والخدمات الحكومية في الغالب إلى الشيعة. وقطعت الدعم السابق لرجال القبائل السنية التي تحارب تنظيم القاعدة. وعندما تجمع محتجون سنة للتعبير عن مظالمهم في عام 2013، أخمدت بغداد المظاهرات السلمية بعنف في ذلك الحين. واجتاحت «الدولة الإسلامية» الموصل في الصيف الماضي بكل سهولة، وذلك جزئيا بسبب المليشيات المحلية التي وقفت إلى جانب المسلحين ضد الحكومة التي يقودها الشيعة.

وفي سوريا، القاعدة الأساسية للدولة الإسلامية، تتحدث المجموعة أيضا بحديث طائفي لمجنديها المحليين والأجانب: جماعة «بشار»، العلويون المدعومون من شيعة إيران وحلفاؤها وحركة حزب الله اللبنانية، تقصف السكان السنة وتوقع عليهم ظلما شديدا.

بدء حرب طائفية سيكون أمرا بالغ الصعوبة في المملكة العربية السعودية، حيث إن الشيعة فقط يمثلون حوالي 10% من السكان. لكن المحللين ما زالوا يقولون إن «الدولة الإسلامية» قد تزعزع استقرار المملكة بطرق غير متوقعة.

«من الممكن حقا أن يكون هناك مزيد من الهجمات على الشيعة»؛ بحسب «ماثيسن». وبدأت المجتمعات الشيعية، في الوقت نفسه، تنظيم مجموعات الدفاع عن النفس الصغيرة لحماية المواقع الدينية. «لا أعتقد أننا سنشهد حربا طائفية، ولكن إذا ساء الأمر عما هو عليه الآن، قد نحصل على أكثر من هذا الدفاع عن النفس المنظم».

وربما أكثر ما يزعج هو أن هذه الهجمات الطائفية قد تشعل موجة من التطرف الداخلي. وقد كان للصراعات في كل من العراق وسوريا جاذبية عاطفية قوية في جميع أنحاء المنطقة، حيث تنقل شاشات التلفزيون يوميا أشرطة فيديو لعمليات قصف الأسد للمدنيين، والمليشيات الشيعية العراقية وهي تعذب الأسرى السنة.

«هناك من يصلي لأجل للدولة الإسلامية ويدعو لها؛ لأنه بالنسبة للشعوب السنية في العراق، فإن هذه هي المجموعة الوحيدة التي تقاتل من أجل مستقبلهم»، على حد تعبير أكاديمي سعودي، رفض الكشف عن اسمه بسبب الحساسيات الأمنية، مضيفا «هذا هو الخيار الوحيد».

المصدر | جلوبال بوست
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s