لماذا تفشل خطة إيران في سوريا؟

”طرطوس“ هي ثاني أكبر الموانئ في سوريا، لا يطغى على مكانتها فقط إلا ميناء اللاذقية.

تقع على سهل ساحلي في البلاد، وكلا الميناءين يقعان ضمن النواة الجغرافية الخاضعة لسيطرة الأقلية العلوية في سوريا، والمعروفة في الأصل باسم «النصيرية». وقد ترسخت أقدامهم على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​تحت سلالة الشيعية الحمدانية. ومع سقوط هذه الأسرة، صار العلويون أقلية محطمة تعرضت للاضطهاد من قبل الصليبيين المسيحيين، وسلطنة السنة المماليك، إضافة إلى الدولة العثمانية.

استعمل النظام الاستعماري الفرنسي الأقلية العلوية ووفر لهم ميزات تفضيلية من أجل الموازنة ضد الأغلبية السنية ومناصريها من العثمانيين. وبعد الاستقلال، جعل هذا الموقع المتميز العلويين هدفا لأعمال انتقامية من قبل الحكومة الجديدة. ومع ذلك، استطاع العلوين استعادة تأثيرهم بحلول عام 1960 بسبب وجودهم في الجيش ودعمهم لحركة البعث. في عام 1971، وبعد فترة مضطربة من الانقلابات والانقلابات المضادة، استطاع وزير الدفاع «حافظ الأسد» السيطرة على الحكومة الحكومة. وبقي العلويون في السلطة من حينها وحتى وفاة «حافظ الأسد» عام 2000، قبل أن يخلفه ابنه «بشار الأسد».

واليوم، تبدو مدينة طرطوس قاتمة. وشهدت تركيا 4 سنوات من حرب أهلية شرسة منذ عام 2011. ورغم أن حكومة «بشار الأسد» تمكنت من البقاء على قيد الحياة إلا أنها تخوض معركة وجودية مع مجموعة من قوات المتمردين، بما في ذلك «الدولة الإسلامية».

مرارا وتكرارا، اضطرت الحكومة إلى التراجع والتترس لحماية نواتها حول السواحل العلوية والعاصمة دمشق. ويبدو الآن أن فترة صعود الطائفة العلوية وحدها دون منازع تتجه إلى نهاية غامضة.

خلال الأيام الأولى لانتفاضة عام 2011 ضد حكم «الأسد»، خرج العلويون إلى الشوارع للدفاع عنه وهم يهتفون «الأسد ، أو سنلقي بالبلاد في شفير النار»، هدد العلويون من مؤيدي «الأسد» أنهم سيدمرون البلاد بأنفسهم إذا لم يبق «الأسد» رئيسا. الآن مجموعة من الجماعات المتمردة تهدد فعليا بقاء نظام «الأسد». وبالرغم من أن الحكومة لا تزال تبدو متماكسة، إلا أن تهديدات العلويين بتدمير البلاد لا تبدو الآن أكثر من نداءات جوفاء.

بعد 4 سنوات من الصراع الكارثي، صار العلويون في طرطوس محبطين، بسبب ما يعانونه من خسائر بشرية هائلة. أكثر من 70 ألفا من الجنود العلويين الشباب لقوا حتفهم وأصيب أكثر من 120 ألفا آخرين. وأكثر من 10 آلاف يصنفون في عداد المفقودين. هذه الأرقام لا تشمل حتى القوات الموالية للحكومة من غير العلويين في طرطوس. وتعرف طرطوس الآن باسم «أم الشهداء». ثلث الضحايا الموالين للأسد يأتون من المدينة، حيث ملصقات الجنود الذين سقطوا قتلى تغطي الجدران في كل مكان.

داخل المدينة، هناك إدراك متزايد بأن الرئيس السوري «بشار الأسد» عازم على البقاء في السلطة مهما كان عدد الوفيات من العلويين التي تستلزم بقاءه. أما العلويون الذين تفاخروا في عام 2011 بدعمهم لـ«آل الأسد»، فقد تغيرت نبرتهم الآن إلى التهديد بشكل متناقض تماما: «إن شاء الله سنشهد جنازات أبنائكم»، كما يقولون.

العلويون يشعرون أيضا بتخلي الأقليات الأخرى عنهم، والتي لا تبدو على استعداد لإرسال شبابها للقتال أو الموت. هذا الأمر من الأهمية بمكان، فعلى مدار تاريخ سوريا دائما ما كانت الأقليات تتحد في وجه الغالبية السنية التي تمثل ثلاثة أرباع السكان في معاركهم ضد المتمردين، من الدروز والمسيحيين والإسماعيليين وميليشيات الدفاع الوطني الشيعية السورية. العلويون يشعرون الآن أنهم يقاتلون ويموتون وحدهم.

في طرطوس، تحولت جنازات الجنود الذين يسقطون إلى مواكب للغضب. تستقبل طرطوس 20 جثة على الأقل كل يوم. في أوقات القتال الأكثر كثافة، يرتفع هذا العدد في كثير من الأحيان إلى أكثر من ثمانين. النظام السوري، وخوفا من أن كل واحد من هؤلاء القتلى يمكن أن يسبب ضجة هائلة، فإنه لا يسمح بإطلاق سراح أكثر من خمس جثث لعائلاتهم في كل يوم. تبدو العملية بطيئة بشكل مؤلم. فقط بعد تتلقى أي عائلة رفات أقاربهم وتغادر المستشفى يمكن السماح للأسرة المقبلة بالدخول. غالبا ما تنتظر العائلات قرابة عشرة أيام لاسترداد جثامين ذويهم.

في خضم هذه الدماء المسفوكة، وصل العديد من العلويين إلى استنتاج مفاده أن النظام لن يمكنه كسب الحرب. أحد الأشخاص قال لي: « لقد فشل النظام لدينا، وتسببت سياساته العشوائية في ظهور الدولة الإسلامية».

كانت نقطة التحول بالنسبة لهم في سبتمبر/أيلول 2014 هي هزيمة النظام في قاعدة «الطبقة» الجوية. حيث قتل مسلحو «الدولة الإسلامية» مئات من الجنود العلويين بينما فشل النظام في إنقاذهم. العائلات لم تعد تريد إرسال شبابها للمشاركة في ما يعتبرونه حربا انتحارية. الشباب يهربون إلى الجبال أو إلى لبنان لتجنب التجنيد، أو يفرون عبر البحر إلى مدينة مرسين التركية متى كان بإمكانهم ذلك، أو ربما يحاولون دخول الاتحاد الأوربي بشكل غير قانوني. بينما يحاول النظام أن يعوض الجنود الذين فقدهم من خلال التجنيد القسري للشباب الذين يفترض أن يكونوا معفيين أو مؤجلين من الخدمة العسكرية.

على الرغم من أن الناس في طرطوس لا يزالون يعانون ويستمر أبناؤهم في الموت، إلا أنه وفي نهاية الحرب أيا كانت نتائجها سيخبر العلويون المدى الحقيقي للكارثة. أما الآن، فإن الوضع غير مستقر. فشلت المعارضة السورية حتى الآن في معالجة وضع الطائفة العلوية في مرحلة ما بعد سوريا «الأسد». وحتى لو تم تحديد ذلك بشكل واضح، فإن العلويين لا يمكنهم ببساطة الانضمام إلى الجيش السوري الحر لأن السنة لا يثقون بهم. وإذا قرر العلويون إيقاف قتالهم من أجل «الأسد» فإن نظامه سوف يسحقهم. فتهديد يأتي من داخل أرضه الأساسية ونواته الصلبة هو آخر ما يمكن للأسد أن يتحمله في الوقت الراهن.

بالنسبة للناس في طرطوس اليوم، الخيارات المتاحة صارت أقل كثيرا من ذي قبل. وهم، وفي كل يوم يستقبلون فيه المزيد من الجثث، مضطرين للتعامل مع حقيقة وضعهم الهش.

المصدر | ستراتفور
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s