التفاوض بشأن السلام اليمني: انقسامات عميقة وحقائق صعبة

غيّر الفصيل السعودي المؤيد لـ«عبد ربه منصور هادي» موقفه، ووافق على عقد اجتماعات في جنيف في 14 يونيو/حزيران، بعد أن رفض هذا الفصيل في البداية دعوة الأمم المتحدة لإجراء محادثات. وكان الأمين العام «بان كي مون» قد دعا لإجراء مفاوضات بين جميع الفصائل اليمنية دون شروط مسبقة، وأصر على أن الحل الوحيد للأزمة في اليمن عن طريق محادثات سياسية. ووافقت كل من إيران و«على عبدالله صالح» وزعيم الحوثيين «عبدالملك الحوثي» [أعلن الحوثيون اليوم السبت تراجعهم عن المشاركة – الخليج الجديد]، ولكن فصيل «هادي» يخشى أن محادثات الأمم المتحدة من شأنها أن تضفى شرعية على الهيمنة الحالية للحوثيين وقوات «صالح» وأصدقائهم الإيرانيين.

وكان «هادي» قد أصر قبل المحادثات على أنه على الحوثيين تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يدعو القوات الحوثية إلى الانسحاب من جميع المدن اليمنية، وإعادة جميع المعدات التي أخذت من الجيش اليمني. ومع العلم أن الحوثيين لن يوافقوا على هذه الشروط، سعى «هادي» وحلفاؤه من السعوديين إلى تغيير ميزان القوى في اليمن من خلال إعطاء المزيد من الوقت للمقاومة المسلحة لتحقيق مالم تفعله الحملة الجوية السعودية التي سميت باسم «عاصفة الحزم». وسواء كانت نتيجة المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة في مسقط أو إدراك أن قوى المقاومة داخل اليمن لن تكون قادرة على تحقيق مكاسب كبيرة، فإن «هادي» والسعوديين وافقوا الآن على الاجتماعات.

وفي 23 مايو/أيار؛ غادرت طائرة عمانية من اليمن متجهة إلى عمان، بإذن من السعودية، تحمل كبار المفاوضين الحوثيين ومن بينهم رئيس المكتب السياسي للحوثي والناطق الرسمي باسم الحوثيين. وذكرت تقارير أن وزير الخارجية الإيراني التقى الوفد أثناء إبرام المعاهدة مع عمان، وكان العمانيون يعملون على التوصل إلى وقف إطلاق النار في اليمن. ولكن على ما يبدو أن المفاوضين الرئيسيين كانوا أمريكيين. وعقدت مسؤولة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى «آن باترسون» محادثات مع ممثلي الحوثي فضلا عن ممثلين من الجنوب. ويبدو أن المحادثات قد سهلت عودة الجانب السعودي إلى طاولة المفاوضات، ولكن لاتزال هناك عقبات كبيرة قبل أن يتم التوصل إلى تسوية.

وتعتبر قوات الحوثي وحليفهم «صالح» معزولة ماديا بسبب الحصار البحري والجوي ومعزولة دبلوماسيا بسبب الدعم الدولي لـ«هادي»، ولكنهم مازالوا يسيطرون على جزء كبير من اليمن. إنهم يريدون ضمان لأمنهم في مرحلة ما بعد الحرب بالإضافة إلى وزنهم السياسي في الشمال. وبعد النجاة من الحملة الجوية العقابية، فإن الحوثيين لديهم ثقة قليلة في السعوديين وداعميهم في اليمن. السعودية وحلفاؤها اليمنيون يريدون إعادة تأسيس مبادرة مجلس التعاون الخليجي في اليمن، وإعادة «هادي» رئيسًا ونزع سلاح الحوثيين.

وفي الوقت الراهن؛ لدى الحوثيين حافز قليل لنزع السلاح. وفي الجنوب؛ ترفض معظم قوى المقاومة المفاوضات قبل تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 2216، الذي يدعو إلى انسحاب الحوثيين، وفي المقابل يرفض الجنوب حكومة «هادي». وتنذر الفجوة الواسعة بين المواقف بمفاوضات مطولة دون الكثير من الحلول على أرض الواقع، في الوقت الذي تتطور فيه أزمة إنسانية واسعة النطاق تنمو بسرعة الصاروخ.

ما الذي تريده السعودية؟

بالنسبة للسعوديين، الحرب ليست خاصة باليمن في حد ذاتها، ولكن في وأد أو إضعاف أي نفوذ إيراني يبدأ من اليمن، وتثبيت نظام صديق للسعودية هناك. ولا يرفض السعوديون الوجود الإيراني في اليمن فحسب، ولكنهم أيضا يريدون إعادة حكومة «هادي» التي أطيح بها، وإعادة ترتيب الأوضاع التي فرضها الحوثيون على المشهد السياسي اليمني. وفي الشمال؛ يقيم الحوثيين تحالفا مع أولئك الذين يعارضون قيادة الأحمر لاتحاد حاشد القبلي وحزب الإصلاح. لذلك ترغب السعودية في إعادة تثبيت قيادة الأحمر وإعادة دور الإصلاح في السياسة اليمنية.

وإلى حد كبير؛ فإن الإصلاح هو الحزب السياسي الوحيد الذي أعلن رسميا دعمه للحملة العسكرية التي تقودها السعودية. «محمد على المقدسي»، مساعد «علي محسن الأحمر»، هو ركيزة من ركائز حزب الإصلاح. وقد فر إلى السعودية في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، ويقود جهود إعادة بناء الجيش اليمني المتحالف مع السعوديين، في عملية أطلق عليها «سيوف الحزم».

وللإيرانيين دور محدود في اليمن، فبعدما استولى الحوثيون على صنعاء، قامت إيران بتأسيس رحلات جوية تجارية مع اليمن، ووعدت ببرنامج مساعدات وتنمية على نطاق واسع، لكن الروابط  الجوية تحققت فقط لفترة قصيرة قبل أن يغلق المطار بسبب ضربات التحالف. تم ردع السفن الايرانية التي كانت تنطلق إلى اليمن بواسطة الحربية الأمريكية في خليج عدن. وتعلن وكالات الأنباء الداعمة للمقاومة المسلحة داخل اليمن أحيانا عن قتلى وأسرى أو مشاهدة مستشارين عسكريين إيرانيين، ولكن وجود دليل موثوق على مشاركة إيران في القتال هو شيء نادر. الإيرانيون هم حلفاء الحوثي الدوليون فقط، وحثوا الفصائل المتحاربة في اليمن على الذهاب إلى طاولة المفاوضات.

الوضع الميداني

وعقد السعوديون، الذين يحاولون استباق مفاوضات الأمم المتحدة، نسختهم الخاصة من المفاوضات في الرياض في منتصف شهر مايو/أيار، ولكنها لم تضم الحوثيين أو حلفاء «صالح». وينص البيان الختامي لمؤتمر الرياض على أنه لابد من عودة صعدة إلى ما قبل 2004. خرق السعوديون في البداية جهود الأمم المتحدة في المفاوضات أملا في بناء قوة برية فعالة في اليمن لهزيمة صالح والحوثيين، حيث فشلت الحملة الجوية السعودية في عكس سيطرة الحوثيين عسكريا على معظم المدن اليمنية. ولا تزال قوات الحوثي والمتحالفين معهم راسخة في عدن ولحج وتعز وشبوة وأبين. وأبطأت المقاومة المحلية تقدم الحوثيين في مناطق عدة وحتى تمكنوا من عكس مكاسب الحوثيين في بعض الأماكن مثل  الضالع، ولكن الحملة الجوية لم تمنع الحوثيين من إعادة تمويل قواتهم والتحرك بحملتهم في الجنوب والشرق.

المقاومة لقوات الحوثيين و«صالح» ضعيفة. في عدن، أفادت تقارير بأن الأسلحة التي أرسلت للمقاومة من السعوديين انتهى بها المطاف في السوق السوداء، حيث كانت تضطر المقاومة لشراء الأسلحة. وفي تعز؛ انسحب مقاتلو المقاومة على جبل صابر الاستراتيجي بعد أن نفدت ذخائرهم، ولم تلق مناشدتهم الرياض للتموين آذانا صاغية في الوقت المناسب.

ولكن الأهم من ذلك أن المقاومة تفتقر إلى التماسك. معظم القتال في الجنوب، حيث الناس متناقضة حول قيادة «هادي» ويشككون في نوايا الرياض. قدم «هادي» الكثير من الوعود إلى الجنوب خلال فترة ولايته في إطار العملية الانتقالية المدعومة من دول مجلس التعاون الخليجي، لكن لم ينجز سوى القليل جدا. هناك انقسام وسط قيادة الحراك الجنوبي. يرى البعض غزو الحوثيين على أنه غزو شمالي آخر للجنوب ومن ثم يقاتلون، ولكن البعض الآخر ما بين هادئ صامت واضعا سيفه في غمده أو حتى يدعم الحوثيين. ووصف أحد قادة الحراك الجنوبي جيش «هادي» الجديد في حضرموت بأنه «خطر على الجنوب»، والآن يرفض بعض قادة الحراك مشاركة «هادي» في محادثات جنيف؛ لأنهم يدعون أن الحوثيين سوف يستغلون فقط المحادثات لتعزيز الهيمنة العسكرية على اليمن. على الرغم من أن الرئيس السابق لجنوب اليمن «علي سالم البيض» حول مؤخرا ولاءه إلى الرياض، إلا إنه رفض حضور مؤتمر الرياض جنبا إلى جنب مع العديد من القادة الجنوبيين الآخرين.

ويشمل الجيش اليمني في الصحراء الشرقية، الذي تم تشكيله لبدء هجوم بري، العديد من القادة القدامى الذي غزوا الجنوب في عام 1994، وتسببوا في الفوضى التي لم يستطع أحد أن ينهيها أو يحلها حتى الان. وفي بقية اليمن؛ يشمل تحالف «هادي» العديد من الذين كانوا جزءا من نظام «صالح» القديم والذين غيروا ولاءهم في اللحظة الأخيرة مع غرق «صالح». استبدال الحوثيين و«صالح» بنظام آخر لا يقوم بواجباته ومهامه، ولكنه في الوقت ذاته أكثر توافقا مع الرياض، لا يروق لكثير من اليمنيين.

معاناة اليمنيين

ومع ذلك، فإن الحكم القمعي للحوثيين هو بالتأكيد ليس بديلا جذابا. ويمارس الحوثيون ضد خصومهم السياسيين قسوة دأبوا على إظهارها أثناء حروب العقد الماضي. واعتاد الحوثيون بشكل منتظم خطف المعارضين السياسيين، ونسف البيوت والمساجد، وقمع الصحفيين والمواقع الإخبارية المعارضة لهم. بل إن الحوثيين استخدموا قادة التجمع اليمني للإصلاح البارزين كدروع بشرية. وقتل «أمين الرجاوي» رئيس المكتب السياسي للتجمع اليمني للإصلاح، في غارة جوية سعودية في ذمار أثناء احتجاز الحوثيين له. وعلى الرغم من أن الحوثيين وصلوا إلى السلطة واعدين أنهم سينفذوا نتائج الحوار الوطني ويقهروا الفساد وعدم الكفاءة التي عانت منها حكومة «هادي»، إلا إن سلوك الحوثيين أظهر بوضوح أن ثورة الحوثيين إنما تخص وصول الحوثي للسلطة بدلا من تغيير في أسلوب الحياة السياسية في اليمن.

وعلاوة على ذلك؛ فإن اليمنيين يعانون من قصف قوات التحالف والحصار الذي يمنع استيراد المواد الغذائية والدواء والوقود. وحتى الآن أثمرت جهود الإغاثة قليلا بالنسبة لمعظم اليمنيين. وقد رست معظم سفن الإمدادات في الحديدة، حيث يسيطر الحوثيون على توزيع الإمدادات، وشهدت المناطق الجنوبية الأكثر تضررا من القتال قليلا في طريق الإغاثة. ويستخدم الناس الحمير للنقل في صنعاء بسبب نقص الوقود. وحذر محافظ حضرموت، «عادل باحميد»، من انهيار وشيك للمحافظة تحت عبء ثقيل من اللاجئين الفارين من القتال وأزمة صحية تنتشر بسرعة، بما في ذلك انتشار حمى الضنك. واضطر «باحميد» إلى الفرار من العاصمة حضرموت والمكلا، بعد سيطرة تنظيم القاعدة على المدينة.

وفي أحسن الأحوال، فإن محادثات جنيف تتيح مجالا لجهود إغاثة أكثر فعالية لتخفيف المعاناة الحادة في اليمن. وتواجه التسوية السياسية العديد من التحديات الصعبة، وسوف يتطلب عدة أشهر طويلة من التفاوض الصعب. وقسمت الحرب اليمن على نحو فعال إلى منطقة يسيطر عليها الحوثيون، ومنطقة تسيطر عليها المقاومة الجنوبية، ومنطقة ثالثة تتكون من الصحراء الشرقية والمناطق الوسطى؛ تعز وإب. قيادة الحوثيين في منطقة واضحة، ولكن التنافس على أشده بين الفصائل الأخرى للسيطرة على المنطقتين الأخيرتين. التسوية السياسية التي تتيح إعادة بناء الجيش الوطني، والمصادقة على الدستور، والاتفاق على لجنة انتخابية، وإجراء انتخابات شرعية ما زالت بعيدة جدا في الأفق بصورة لا تمكننا من أن نستشف حقيقتها بوضوح.

المصدر | معهد الشرق الأوسط

فورين بوليسي تسأل: ماذا سنفعل إن انتصر تنظيم الدولة الإسلامية؟

حان الوقت للتفكر مليا في إحتمالية مقلقة، ماذا يجب أن نفعل إن انتصر تنظيم الدولة الإسلامية؟ لا أقصد بالـ”انتصار” أن ينتشر كالنيران المستعرة في أنحاء العالم الإسلامي، لينشأ في النهاية خلافة تمتد من بغداد إلى الرباط، أو إلى ما هو أبعد من ذلك. يقول قادة التنظيم إنهم سيحققون ذلك، ولكن الطموحات ليست حقيقة، وتلك الاحتمالية تحديدا بعيدة المنال. بل أقصد أن يحتفظ التنظيم بقوته في المناطق التي يسيطر عليها حاليا، وأن يتحدى بنجاح الجهود الخارجية لـ”إضعافه وتدميره”. إذن فالسؤال هو: ماذا سنفعل إن أصبح تنظيم الدولة الإسلامية دولة حقيقية وأظهر قدرة حقيقية على الصمود؟

تبدو تلك الاحتمالية أكثر ترجيحا هذه الأيام، في ضوء عجز بغداد عن تنفيذ هجوم مضاد ناجح. فإن كان باري بوسن، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، محقا، (وهو عادة محق)، فإن الجيش العراقي لم يعد موجودا كقوة مقاتلة لديها هدف. لا يكشف ذلك فقط عن إفلاس الجهود الأمريكية لتدريب القوات العراقية  (والفشل الجماعي لجميع القادة الذين قادوا تلك الجهود وظلوا يقدمون تقديرت متفائلة عن مدى التقدم)، بل يعني أيضا أن التدخل الخارجي الوحيد واسع النطاق سيكون على الأرجح لصد التنظيم وتدميره في النهاية. لن يحدث ذلك مالم يتفق تحالف من الدول العربية على تقديم الآلاف من قواتهم في المعركة، لأن الولايات المتحدة لن تقاتل، ولا يجب أن تقاتل، عن الدول التي تتجاوز مصلحتها في النتيجة المصلحة الأمريكية.

لا أود أن يساء فهمي – فسأكون مسرورا مثل الجميع إن هزم التنظيم على نحو حاسم وفقدت رسالته العنيفة مصداقيتها. لكن يجب ألا نخطط للنتائج التي نتطلع إليها فقط، بل وللاحتمالية الحقيقية جدا أننا لا نستطيع أن تحقيق هدفنا – أو على الأقل مقابل الثمن الذي نعتبره مقبولا.

إذن فماذا سنفعل إن نجح التنظيم في الحفاظ على أراضيه وأصبح دولة حقيقية؟ يقول بوسين إن الولايات المتحدة (وكذلك الأطراف الأخرى) يجب أن يتعاملوا مع الدولة الإسلامية بذات الطريقة التي تعاملت بها مع الحركات المتمردة الأخرى التي سعت لبناء دول، عبر سياسة الإحتواء. وأنا اتفق معه.

رغم تعطشه للدماء وتكتيكاته البشعة، لا يمثل تنظيم الدولة الإسلامية في الواقع لاعبا عالميا قويا. تجذب رسالته المتطوعين من بين الشباب المهمش في الدول الأخرى، ولكن اجتذاب حوالي 25,000 من التابعين ضعيفي التدريب من بين 7 مليار نسمة ليس أمرا خطيرا للدرجة. بل قد يمثل الأمر مكسبا صافيا إن ترك هؤلاء الأشخاص بلادهم الأصلية واختبروا الوقائع القاسية للحكم الجهادي. سيدرك بعضهم أن تنظيم الدولة الإسلامية وحشي وظالم ومجهز لتنفيذ الكوارث: وسيكون البقية منعزلين ومحتوين في بقعة واحدة بدلا من أن يثيروا المشكلات في بلادهم.

على نحو أكثر أهمية، يمثل العدد القليل نسبيا من الأجانب المتدفقين للحرب تحت شعار الدولة الإسلامية فصيلا ضئيلا فقط من مسلمي العالم، وتظهر الرسالة الجهادية المتشددة مؤشرات قليلة بشأن كسب دعم كبير وسط الأمة الإسلامية الكبيرة والمتنوعة.

لا أفكر بسذاجة. ولكن المسافرين التابعين للتنظيم سينفذون بلا شك أعمال إرهابية وسيتسببون في أنواع أخرى من المشكلات في أماكن عديدة. لكن ذلك بعيد تماما عن أن يتمكن التنظيم من الانتشار بشكل عشوائي في أنحاء العالم الإسلامي. يحتمل بشكل واضح أن يتسبب التنظيم في مشكلات خارج المساحة الصحراوية التي يتحكم فيها حاليا، لكنه لم يظهر بعد قدرة كبيرة على التوسع خارج المناطق السنية التي يشعر سكانها بالاستعداء في غربي العراق وشرقي سوريا.

علاوة على ذلك، تحوي أراضي الدولة الإسلامية القليل من الموارد، وقوة صناعية ضئيلة. كما أن قواته العسكرية، رغم قيادتها القوية، لا ترقى إلى مستوى القوة العظمى (أو حتى القوة الإقليمية). يواجه التنظيم مقاومة قوية كلما حاول أن يتحرك خارج المناطق السنية (مثلما حدث في كردستان أو بغداد ذات الهيمنة الشيعية)، حيث لا يمكنه أن يستغل السخط المحلي ضد بغداد أو دمشق.

يواجه التنظيم عقبة أخرى هامة، فلم يعد يتمتع بميزة المفاجأة. ظهر التنظيم بشكل مفاجئ وسط الفوضى التي تبعت اجتياح العراق والحرب الأهلية السورية، كما ميزه الزواج المتطرف غير المتوقع بين الإسلام والمسؤولين السابقين البارزين بحزب البعث، الذين عرفوا كيفية إدارة دولة بوليسية. وقد كان ذلك الخليط فعالا بشكل مفاجئ، مثلما كان الجيش العراقي (بشكل مفاجئ أيضا) فاسدا ولا يعتمد عليه. ولكن احتمالية أن يتسبب التنظيم في مشكلات الآن أصبحت واضحة، والدول العربية، من الخليج العربي إلى مصر وما أبعد من ذلك، ستتخذ إجراءات كبيرة لتضمن عدم اتخاذ نموذج الدولة الإسلامية لقواعد في مجتمعاتهم. (الأمر مختلف في ليبيا، بعد التدخل الغربي الطائش هناك، ولكن ظهور نسخة للتنظيم هناك يمثل أيضا مشكلة يمكن احتوائها).

والآن فلنستخدم بعض الخيال. لنفترض أنه قد تم احتواء التنظيم، لكن لم تتم الإطاحة به، سيؤدي ذلك في النهاية لإنشاء مؤسسات حاكمة دائمة. حسبما يلائم تنظيم بني جزئيا على الإجرامية البعثية، فإنه ينشئ بالفعل الهياكل الإدارة لإقامة دولة، حيث يجبي الضرائب، يراقب الحدود، يبني جيش، يستميل الجماعات المحلية، إلخ. يقر بعض جيران التنظيم بذلك الواقع تكتيكا عبر غض البصر عن عمليات التهريب التي تبقي على تجارة التنظيم نشطة. في حال استمرار ذلك، فكم من الوقت سيمر قبل أن تبدأ دول أخرى في الاعتراف بـ”الدولة الإسلامية” كحكومة شرعية؟

قد يبدو ذلك منافيا للعقل، ولكن تذكر أن المجتمع الدولي قد حاول أحيانا أن ينبذ حركات تمردية، واعترف بهم على مضض بمجرد إثبات قوتهم على الصمود. رفضت القوى الغربية الاعتراف بالاتحاد السوفيتي لبعض السنوات بعد الثورة البلشفية عام 1917، ولم تعترف به الولايات المتحدة حتى عام 1933. بشكل مشابه، لم تدشن الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومة أحد أكثر دول العالم سكانا – الجمهورية الصينية الشعبية – حتى عام 1979، بعد مرور 30 عاما على تأسيسها. في ضوء تلك السوابق (وغيرها)، هل يمكننا التأكد من أن الدولة الإسلامية قد لا تصبح يوما ما عضوا شرعيا في المجتمع الدولي وحاصلة على مقعد في الأمم المتحدة؟

ربما سترى أن السلوك الهمجي للتنظيم – المشتمل على استعباد النساء، تعذيب المدنيين، قطع رؤوس الرهائن – سوف يقصيه للأبد خارج مجتمع الدول المتحضرة. أليس من المرجح أن قادة التنظيم سينتهي بهم الأمر في قفص الاتهام بالمحكمة الجنائية الدولية بدلا من إلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ سيكون من اللطيف أن تفكر في ذلك، ولكن التاريخ يشير إلى درس أكثر إثارة للسخرية.

هؤلاء المترفين والبريطانيين الذين نستمتع بمشاهدتهم في مسلسل “داونتون آبي”؟ لقد أنشأ أجدادهم المملكة المتحدة عبر الأعمال العنيفة والوحشية كالإكراه والغزو (مثلما قد يخبرك أي ويلزي أو اسكتلندي حسن الإطلاع). هؤلاء الأمريكيون البطوليون الذين وسعوا “امبراطورية الحرية” في أنحاء أمريكا الشمالية؟ لقد ذبحوا، اغتصبوا، وجوعوا الهنود الحمر لتحقيق ذلك – وجمعوا الكثير من فروات الرؤوس في طريقهم. أم البلاشفة والماويين الذين أنشأوا الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية؟ لم يرسخوا سلطتهم عبر الإقناع بالحسنى، وكذلك الوهابيون تحت قيادة بن سعود أو الصهاينة الذين أسسوا إسرائيل. مثلما أوضح المؤرخ الراحل شارلز تيلي في علامته “الإكراه، رأس المال والدول الأوروبية“، كانت عملية بناء الدولة مشروعا وحشيا لقرون، والحركات التي بنت دولا جديدة في الماضي فعلت الكثير مما سندينه اليوم بوصفه همجيا للغاية. (دعونا لا ندعي أن مجتمعات اليوم “المتقدمة” متميزة أو أخلاقية بشكل موحد. فالبرئ الذي يتم تفجيره بواسطة هجمة درون سيئة التوجيه يمثل ضحية كحال شخص قطع تنظيم الدولة الإسلامية رأسه بوحشية).

لقد تغيرت معايير ما هو “مقبول” أن تمارسه الدولة بشكل كبير خلال القرن الماضي، لذلك نعتبر اليوم، على نحو محق، سلوك الدولة الإسلامية بغيضا. والإشارة إلى أن بناة الدول الآخرين قد تصرفوا بشكل سئ في الماضي لا يقدم عذرا ولا يبرر ما يفعله الجهاديون اليوم في العراق وسوريا. ولكن ذلك التاريخ الطويل يذكرنا بأن الحركات التي تجاوزت الحدود من قبل أحيانا ما انتهى الأمر بقبولها واعتبارها شرعية، إن نجحت في التمسك بالسلطة لفترة طويلة كفاية.

إلا أنه حتى يقبل وجودها في مجتمع الدول، تضطر الحركات المتشددة أو التمردية في النهاية للتخلي عن بعض (إن لم يكن جميع) ممارساتها الأكثر وحشية. مثلما أشار كينيث والتز منذ أكثر من 30 عاما، يتم في النهاية دمج جميع الدول المتشددة “اجتماعيا في النظام”. بمرور الوقت، يدركون أن طموحاتهم الفكرية الضخمة لن تتحقق وأن الإخلاص المتشدد تجاه أهدافهم التمردية الأصلية مكلف، غير مثمر، بل قد يكون مهددا لصمودهم على المدى البعيد. وتعلو الأصوات المطالبة داخل الحركة بإجراء تسوية، أو على الأقل بأسلوب أكثر براجماتية تجاه العالم الخارجي. فبدلا من “الثورة العالمية”، يحين الوقت لبناء “اشتراكية في إحدى الدول”. وبدلا من توسيع “الجمهورية الإسلامية”، يحين الوقت لعقد صفقات مع الشياطين الأكبر والأقل حجما. تتكيف الدولة الجديدة بشكل تدريجي مع المعايير والممارسات الدولية السائدة، وتتحول في النهاية من كونها منبوذة إلى كونها شريكة، خصوصا عندما تبدأ مصالحها في التلاقي مع مصالح الدول الأخرى. قد يكون وجود التنظيم مزعجا في السياسات الدولية، ولكنه لم يعد منبوذا. إن تمكن التنظيم من الصمود وعزز وجوده، فإن السابق يمثل توقعي لما قد يحدث.

ولكن بالتأكد عملية “الدمج الاجتماعي” لا تحدث تلقائيا. فالدول المتشددة لا تدرك أن السلوك الوحشي مكلف مالم تجمع دول أخرى قوات لفرض العقوبات الضرورية. إن نجح التنظيم في التشبث بالسلطة، تعزيز موقعه، وتأسيس دولة بحكم الأمر الواقع فيما كان سابقا جزء من العراق وسوريا، فستحتاج دول أخرى للعمل بشكل مشترك لتعليم التنظيم حقائق الحياة في المجتمع الدولي. ولأن التنظيم في الواقع ليس قويا لهذه الدرجة، فإن منعه من التوسع أو زيادة قوته وفرض تكاليف على سلوكه البغيض يجب ألا يكون بتلك الصعوبة.

وبالتالي فإن المهمة الرئيسية للدولة الأمريكية يجب أن تتمثل في تنسيق ودعم حملة دولية للاحتواء، يتخذ فيها اللاعبون المحليون مثل السعودية، الأردن، تركيا وإيران – الذين يواجهون الخطر الأكبر – دور القيادة. يشمل ذلك أيضا مساعدة الآخرين في صد جهود الدولة الإسلامية لنشر رسالته، إقناع دول أخرى بفعل المزيد لتقييد مصادر دخله، الانتظار تجاوزاته بصبر لإعقاتها من الداخل.

Source Link